تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر للحائري

44

مباحث الأصول ( القسم الأول )

--> - والالتفات إلى ما قلناه لو لم ينفعنا في ارتقائنا السلوكيّ إلى اللّه سبحانه وتعالى في مرقاة هذه الكمالات ، فلا أقلّ من أن يكون نفعه لنا عبارة عن الاعتصام في مقابل صفة العجب ؛ لأنّنا ما لم نصل إلى المرحلة الثالثة ، وهي داعويّة نفس الطاعة ورضوان اللّه دون الالتذاذ بهما ، أو على الأقلّ الثانية ، وهي الدافع المزدوج ، فنحن - في الحقيقة - قد عبدنا لذّتنا وعشقنا ذاتنا ، فأيّ استحقاق لنا للثواب ؟ ! وأيّة عبوديّة تكون هذه العبوديّة ؟ ! وأنا لا أقصد بنفي استحقاق الثواب نفيه من باب : أنّنا مملوكون ملكيّة حقيقيّة للّه ، فلا نستحقّ شيئا منه تعالى في قبال طاعتنا إيّاه ، ولا نفيه من باب : أنّ الاستحقاق إنّما يكون لمن أعطى من نفسه شيئا لغيره ، ونحن كلّ ما أعطيناه للّه سبحانه كان من اللّه لا من أنفسنا كي نستحقّ شيئا بالمقابل ، فإنّ أمثال هذه الأمور لا تختصّ بنا ، بل تشمل حتّى المعصومين عليهم السّلام . بل أقول بغضّ النظر عن هذه النكتة : إنّنا غير مستحقّين للثواب بعقليّة مكافأة الإحسان ، لأنّنا - في الحقيقة - لم نعمل له ، بل عملنا لأنفسنا ، فلا مكافأة على أعمالنا إلّا بفضل اللّه ورحمته ورأفته . نعم ، تصحّ في العرف الفقهيّ عباداتنا ؛ لأنّها تشتمل على القربة بالمعنى المقصود في الفقه ، حيث قرّروا فيه كفاية الداعي إلى الداعي القربيّ ، وهذا موجود في المقام ؛ لأنّا نعمل بداعي الامتثال والطاعة وإن كان الداعي لنا إلى هذا الامتثال والطاعة ثوابه ، أو الفرار من عقابه ، أو الالتذاذ بطاعته ، إلّا أنّ هذا - كما ترى - حيلة شرعيّة علّمتنا نفس الشريعة إيّاها وقبلها اللّه منّا بقبول حسن بلطفه وكرمه ، وإلّا لهلكنا جميعا ، إلّا أنّ هذا لا يعني : أنّ الاستحقاق إذن أصبح واقعيّا ( بعد غضّ النظر عن المملوكيّة وعدم الواجديّة الذاتيّة ) ، فغير الواصل إلى ابتغاء رضا اللّه لأنّه رضاه لا لنعيم الجنّة ، ولا للفرار عن الحجيم إن كان مطيعا -